مجموعة مؤلفين
119
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
القرية المجاورة به ، يذكر أنه كان « في بعض بلاد المغرب فرأى أسدا افترس حمارا وهو يأكله وصاحبه جالس بالبعد على غاية الحاجة والفاقة . فجاءه أبو مدين وأخذ بناصية الأسد وقال لصاحب الحمار : أمسك الأسد ، واذهب به واستعمله في الخدمة موضع حمارك . فقال له : يا سيدي ! أخاف منه . فقال ( له أبو مدين ) : لا تخف ! لا يستطيع أن يؤذيك . فمرّ الرجل يقوده والناس ينظرون إليه . فلما كان آخر النهار جاء الرجل ومعه الأسد للشيخ ( أبى مدين ) وقال له : يا سيدي ! هذا الأسد يتبعني حيث ذهبت ، وأنا شديد الخوف منه لا طاقة لي بعشرته فقال الشيخ ( أبو مدين ) للأسد : اذهب ولا تعد ؛ متى آذيتم بني آدم سلطتهم عليكم » « 1 » . كما يذكر عنه أيضا أن الطيور كانت تأنس به ، ولا تفر منه ، بل تنزل في مجلسه وتضرب بأجنحتها ؛ « وتمر به الطيور وهو يتكلم فتقف تسمع ، وربما مات بعضها » ( « نفح الطيب » 4 / 269 ) . وهذه الكرامات هي عينها التي اشتهر بها القديس فرنشسكو الأسيزى . وفرنشسكو الأسّيزى ولد سنة 1182 م وتوفى سنة 1226 م ، بينما ولد أبو مدين سنة 1120 م وتوفى سنة 1197 م . هنا يحق للباحث أن يتساءل : من أين هذا التشابه العجيب بين كرامات سيدي أبى مدين ، وكرامات القديس فرنشسكو الأسّيزى ؟ إنه من الثابت تاريخيا أن القديس فرنشسكو الأسيزى قد جاء إلى مصر سنة 1219 م ابتغاء مناظرة علماء المسلمين ، وكانت الأيام أيام الحروب الصليبية وهي في عنفوانها ؛ ولا بد أنه عرف أخبار أولياء المسلمين المشهورين في ذلك العهد ، وكانت شهرة أبى مدين بوصفه أكبر الصوفية المسلمين آنذاك قد بلغت مصر والمشرق ، فلا بد أن يكون قد علم بكرامات أبى مدين ، وأراد أن يقلّدها ، ومن هنا شاع عنه أنه يذلّل الحيوان الوحشىّ ويخاطب الطيور ، تماما مثل أبى مدين . وهكذا نرى أن كرامات أبى مدين لم تشمل المسلمين وحدهم ، بل امتد
--> ( 1 ) نقله المقرى في « نفح الطيب » ، ج 4 ، ص 271 عن صاحب « الروض » عن الشيخ أبى محمد عبد الرازق أحد خواص أصحاب أبي مدين .